Compagnie logo

النشرة الشهرية

آب   2015

التطلع إلى تبني أهداف التنمية المستدامة : ما مدى أهمية الأهداف الانمائية الدولية للمرأة في المنطقة العربية ؟

 

كندة محمديّة - شبكة المنظمات العربية غير الحكوميّة للتنمية

 

منطقة غارقة بالعنف والصراعات*

 

        يتأثر واقع المرأة في المنطقة العربية بصورة مباشرة أوغير مباشرة بتجدد الصراعات التي تشمل أزمات الدولة والحروب والاحتلال و الهجمة الأصولية الدينية  والجماعات الدينية العسكرية المتطرفة . على الرغم من تباين  الآثار المترتبة على الحقوق والحقائق السياسية والاجتماعية والسياسية الأوسع في مثل هذه الأوضاع والظروف ، نجد أنها تترك جميع النساء عرضة لمختلف اشكال العنف والاستبعاد. وليس من المتوقع أن تتحرر المنطقة من حلقات الصراع والعنف في المدى المنظور ، وعليه إن مظاهر هذا العنف ستستمر حتمًا في رسم ملامح حيوات النساء والرجال الذين يعيشون في المنطقة.

        ويمكننا توصف أربع فئات رئيسة من النساء الأكثر عرضة للخطر في سياق المنطقة العربية ، وهن النساء اللواتي يعشن تحت الاحتلال العسكري والنساء اللواتي يعشن في مناطق خاضغة لسيطرة الأصوليين المتشددين والجماعات المسلحة ، واللاجئات والمشردات داخليا ، بما فيهن أولئك اللواتي اضطررن لترك بيوتهن التي دمرها الاحتلال . وقد تسقط  نساء  من ضحايا هذه الأوضاع في احيان كثيرة من جداول الاحصاءات ، وقد لا يتسنى لصناعة السياسة معرفة أوضاعهن واحتياجاتهن الخاصة. وتبعا لذلك ، تتطلب مناقشة أهداف التنمية المستدامة وتطبيقها في المنطقة العربية التفكير في الطبيعة المحددة للحقائق والوقائع المعقدة الناجمة عن هذه السياقات والتدخلات المترتبة اللازمة .

        ذكرت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا2) أن وضع المرأة في مخيمات اللاجئين لا سيما في حالات اللاجئات السوريات يُمثل إنتكاسة كبرى لمكافحة التمييز والعنف ضد المرأة . على سبيل المثال ، انتشرت خلال الأزمة السورية التقارير التي تتناول حالات الاغتصاب والزواج المبكر والعنف وازدياد أعداد الأسر التي أصبحت المسؤولية الوحيدة الملقاة على عاتق المرأة . وما هذا الوضع سوى إنعكاس لاحتلال النساء وأجسادهن ساحة متقدمة لمظاهر الصراع المحتدم على السلطة في المنطقة .

        أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة في توصيتها العامة رقم 30 المتعلقة بالمرأة في تفادي الصراعات والأوضاع في ظل النزاع وما بعد النزاع  أهمية ضمان " تكامل  احتياجات المساعدة الانسانية  الفورية ومتطلبات الحماية مع استراتيجيات طويلة الأمد تدعم الحقوق الاقتصادية – الاجتماعية وفرص كسب العيش للنساء من العائدات والمشردات داخليا واللاجئات وتعزيز القيادة والمشاركة بغية تمكينهن من اختيار الحلول الدائمة التي تلبي احتياجاتهن" .

 

 هل تُعد أهداف التنمية المستدامة خطوة لتحسين الأهداف الانمائية للألفية ؟f

        إن تصميم أهداف التنمية المستدامة ليس سوى محاولة لمعالجة القضايا الهيكلية  التي تشمل انعدام المساواة داخل البلدان وفي ما بينها . وتجسد هذه الأهداف الخروج عن المقاربة الاختزالية للأهداف الانمائية للألفية ، التي لا تتناول الاطار السياساتي الأوسع الذي يجيز متابعة قضية المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة .

        يتضمن الهدف الخامس المقترح ضمن أهداف التنمية المستدامة والمتعلق بالمساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات جزءًا من المطالب الرئيسة التي طرحتها الجماعات والحركات النسائية في خلال المناقشات المتعلقة بالتنمية التي عقدت في تسعينيات القرن الماضي ، والتي لم تُسجلها الأهداف الانمائية للألفية . على العموم ، يُعد الهدف  الخامس المقترح إلى جانب الأبعاد التي تشتمل عليها أهداف التنمية المستدامة الأخرى  التي تركز على الجنسانية أوسع نطاقا ويتطرق إلى أبعاد أكثر هيكيلية مقارنة بالمقاربة الضيقة الأفق للمساواة بين الجنسين التي تعكسها الأهداف الانمائية للألفية .  

        مع ذلك، لا تعدو أهداف التنمية المستدامة عن كونها مجموعة من الالتزامات التي  قطعتها الدول في مؤتمرات التنمية واتفاقيات حقوق الانسان في تسعينيات القرن الماضي . علاوة على ذلك ، تفتقر أهداف التنمية المستدامة إلى الطموح المطلوب لاحداث التغيير التحولي العاجل . وتُعد القيود 3التي تحول دون معالجة التغييرات الهيكيلية اللازمة لتحقيق المساواة الحقيقية بين الرجل والمرأة  في مجالات العمالة وتخفيض أعمال الرعاية غير المدفوعة وإعادة توزيعها وتحكم المرأة  بالممتلكات والأصول،  من أوجه القصور التي تعتري أهداف التنمية المستدامة .

 

أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالمنطقة العربية

        تتسم أوجه القصور  التي تحد من تحقيق التنمية في المنطقة العربية بالتمييز ضد المرأة والاخفاق في تمكينها بدرجة  كبيرة . وعمومًا ، إن نوع النمو المُحرز في المنطقة العربية خلال العقود الثلاثة الماضية لم يخدم المرأة أو المساواة ، كما لم يكن ناجعا للكثير من الفصائل والفئات المجتمعية الأخرى . ولا تزال المنطقة العربية مقارنة بغيرها من المناطق في العالم ، تعاني من الفجوات الكبيرة  بين الجنسين في مجالات التعليم والاقتصاد والتمكين السياسي4. وفضلا عن السياق الطاغي للصراعات وأعمال العنف التي جرى التطرق إليها آنفا ، نجد أن أوضاع المرأة في المنطقة تتأثر بالتمييز العميق والمتعدد الأشكال بحكم القانون إلى حد بعيد ، فضلا عن المواقف القائمة على سلطة الرجل والقوالب النمطية المتجذرة فيما يتعلق بالأدوار والمسؤوليات المنوطة بالمرأة .

        لم تتجسد الثورات والانتفاضات الشعبية التي شهدتها العديد من بلدان المنطقة منذ عامي 2010 و 2011 في فرص تجيز معالجة التحديات التقليدية التي ناضلت المرأة بمواجهتها. بل  رأينا على العكس من ذلك ،  ظهورًا جديدًا للصراعات القديمة التي حاولت النساء التصدي لها في المنطقة  . مع ذلك، لا شك أن إرداة المواطن القوية وتأثيره الكبير اللذين تجليا في سياق الثورات والانتفاضات التي اندلعت في المنطقة سيعززان حيز النضال بمواجهة أعراف السلطة الذكورية الأبوية  والأصولية الدينية  بغية تحقيق المساواة  وإعمال حقوق المرأة.

        وفي هذا السياق ، يتطلب إحراز التقدم المستدام على جبهة حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين إدراج الأهداف في إطار أوسع للتحولات الهيكلية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. كما يتطلب إدراك الطبيعة المترابطة للمخاطر والفرص ضمن إطار التنمية المنشود ، والحاجة إلى تدخل متعدد الأوجه  في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على الصعيدين الوطني والعالمي  فضلا عن اتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق هذه الغاية . علاوة على ذلك، ونظرا لطبيعة الاحتلال  والصراعات وأزمات الدولة المتواصلة والمتكررة في العديد من بلدان المنطقة العربية ، يتعين على الدول الحرص على أن تشمل المساعدة الانسانية القصيرة الأجل الاحتياجات العاجلة  ، وعلى تكامل متطلبات الحماية مع استراتيجيات طويلة الاجل لدعم الحقوق الاقتصادية – الاجتماعية وفرص كسب العيش لدى النساء المتضررات من هذه الأوضاع والظروف .

        تكمن المسألة المركزية  لهذه المناقشات في تناول دور الدولة الذي يشمل حماية الحيز السياساتي واستخدامه بصورة مناسبة عن طريق  التصميم الدينامي لأدوات السياسة الوطنية على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية  وتعبئة المؤسسات التي تركز على التنمية . إلى جانب ذلك ، تبدأ واحدة من المهام الرئيسة في البلدان العربية بإصلاح الأطر التشريعية.

        ستعتمد القيمة المُضافة لأجندة أهداف التنمية المستدامة إلى حد بعيد على تفعيل وسائل التنفيذ المرتبطة بالأهداف التي تشمل الالتزامات بتمويل التنمية المستدامة على المستوى الوطني . وفي السياق الوطني ، نلاحظ أن الاعتبارات الجنسانية التي تنعكس بفعالية في تمويل سياسات التنمية تستلزم رسم سياسات التوزيع التي تشمل السياسيات الضريبية والميزانيات الوطنية مع مراعاة المساواة بين الجنسين. عمومًا، يتطلب تعميق آليات المساءلة المرتبطة بأهداف التنمية المستدامة وتفعيلها التطلع إلى ما وراء المؤشرات المبسطة . وينطوي ذلك على توسيع مهمة المراقبة لتشمل النظر في السياق الأوسع الذي يتضمن أهداف التنمية المنشودة ، بما فيها السياسات الاقتصادية والاجتماعية والآثار الناجمة عن الاضطرابات والصراعات.

 


* هذا المقال مبني على تقرير معدّ من الكاتبة للاسكوا تحت عنوان: "حقوق المرأة والمساواة الجندريّة للتنمية المستدامة، مناقشة اهداف التنمية المستدامة ضمن سياق اشكالية التنمية في المنطقة العربية."

 

1- ومن المتوقع أن يتم اعتماد اهداف التنمية المستدامة في قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي ستعقد من 25-27 سبتمبر 2015.

 

2- ESCWA, power point entitled “Presentation of the Arab Integrated Report on implementation of Beijing platform of Action +20”, slide 22, presented in the regional experts meeting on Beijing outcomes (Beirut, October 2014).

 

3- وتشمل القيود الأهداف المقترحة والوسائل التنفيذية المصاحبة لها في هذه المناطق.

 

4- منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - التي تضم الدول العربية - تتسجل اسوأ من حيث الفجوة بين المرأة والرجل في التعليم والاقتصاد والتمكين السياسي، بالمقارنة مع المناطق الأخرى (أي آسيا الوسطى، وشرق آسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا، أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وأمريكا الشمالية، وجنوب آسيا، وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى). هذا هو وفقا لمؤشر "الراصد الاجتماعي" للمساواة بين الجنسين.

فاكس: 636 815 1 961+ | هاتف: 366 319 1 961+
لبنان , بيروت | مزرعة 2070-1105 | ص.ب.: 5792/14 annd@annd.org | www.annd.org