Compagnie logo

النشرة الشهرية

آب   2015

نموذج جديد للتنمية عامل أساسي لضمان حقوق المرأة في السكن والأراضي والممتلكات

 

نعمات كوكو – مركز الجندر للبحوث والتدريب ، السودان .

بهتير موسكيني – شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية .

 

نظم الفريق العامل المعني بشؤون المرأة في الشبكة العالمية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية  (ESCR-NET) اجتماعا دوليا خاصا بالاستراتيجية من 26 إلى 28 آب \ أغسطس، ضم نساء من آسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية ومن المنطقة العربية . كان الهدف من هذا الاجتماع الذي عُقد تحت عنوان " النهوض بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمرأة : رؤى بديلة للحق في التنمية والحقوق في السكن والأراضي والممتلكات  (HLP)  "، التعريف بالتحديات المشتركة التي تحول دون إعمال هذه الحقوق ، وتقييم الاطار القائم  لحقوق الانسان ، لاسيما إتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) و العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR) ، بالاضافة إلى التحري عن الاستراتيجيات التي تعتمدها المرأة في الخطوات المختلفة للمدافعة وحشد التأييد المتصلة بالحقوق في السكن والأراضي والممتلكات  وذلك بغية تعزيز تمتع المرأة الكامل بهذه الحقوق. وأخيرًا سعى هذا الاجتماع إلى وضع جدول أعمال مشترك لتطوير مقاربات تقدمية لهذه الحقوق مع الأخذ بعين الاعتبار التحليل الجنساني والأعمال الجماعية.

 

إن الحق في السكن والأراضي والممتلكات مُكرس في القانون الدولي لحقوق الإنسان بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، علما أن معظم الدول العربية أطراف فيها. وفي حين يغيب التنفيذ الحقيقي لهذه الالتزامات والتدابير الفعلية على المستوى الوطني ، نلاحظ أن التحفظات الأخرى المُسجلة على هذه العهود في ما يتعلق باحترام المعايير الدينية والقواعد العرفية المتجسدة في قوانين الأحوال الشخصية ترسي قيودًا إضافية . إذ تكشف قاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) المتعلقة بحقوق الجنسين والحق في الأراضي أنه في مصر على سبيل المثال ، لم تملك النساء قط الأراضي التي يعلمن فيها مع أنه ليس ثمة قوانين تحظر ملكية النساء للأراضي والماشية وتوارثها ، أو تمنع  حصولها على القروض. وفي المغرب وتونس لا تتجاوز ملكية المرأة للأراضي الحدود الدنيا وتقتصر على أراضٍ صغيرة جدًا وذلك بسبب انعدام  المساواة بين المرأة والرجل في سياق الحصول على القروض لشراء الأراضي الزراعية . في الواقع ، تفرض المصارف شروطا غالبا ما يتعذر على النساء الريفيات الإيفاء بها  وتشمل شرط امتلاك نسبة عشرة من المئة من قيمة الأرض موضوع الصفقة. وفي لبنان، لا يزال الافتقار إلى التعويض العادل  في قضايا الطلاق من العقبات التي تحول دون التمتع الكامل بالحق في الممتلكات. شهد الاجتماع تبادلا للخبرات بين المشاركين ومنها تجربة جنوب أفريقيا بشأن القواعد العرفية ، والعنف الجنساني في بلغاريا والمساعي التي تبذلها " فيا كامبسينا " لمواجهة  انتزاع ملكية الأراضي ، ونضال نساء الشعوب الأصلية في أميركا الجنوبية ، ووضع المشاركون  العديد من التحديات المشتركة التي تواجه المرأة  وهي : غياب الإطار التشريعي ، وتعذر إمكانية الوصول إلى العدالة \ الانتصاف في قضايا الانتهاكات ، وعدم اعتماد سياسيات اقتصادية إنمائية التوجه وقائمة على الأسواق ، والمشروعات "الانمائية" التي تترك آثارا سلبية على الموارد الطبيعية وعلى سبل العيش ، والصراعات والحروب ، والعسكرة وما إلى ذلك . كما لفت المشاركون إلى عامل آخر لا يقل أهمية اثناء عملية التحليل وهو غياب مقاربة المساواة الموضوعية عندما يتعلق الأمر في قضايا السكن والأراضي والوصول إلى الموارد . في حين تبادل المشاركون خبراتهم وحملات المدافعة وحشد التأييد في ما يتصل بهذه التحديات ،  أشار اجتماع الاستراتيجية إلى الحاجة الملحة والواضحة لاستكمال الجهود المبذولة في مجال المدافعة على المستوى الوطني حيث تُعد الدولة المسؤول الأول عن هذا الحق ، من أجل بناء حركة عالمية وتنظيم حملات المدافعة المتعلقة بالقضية على المستوى الدولي عن طريق تبني نموذج مستدام للتنمية .

 

أدى نموذج التنمية المعمول به منذ مدة طويلة  والذي يرتكز على تحرير التجارة وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر والخصخصة بهدف تحقيق النمو الاقتصادي من غير الالتفات إلى آليات فعالة لإعادة التوزيع العادل وتدابير الحماية الاجتماعية  إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية التي نواجهها . لقد فُقدت العدالة الاجتماعية حيث تضاءل دور الدولة . وظلت المرأة في موضع متأخر عن الرجل في مواجهة هذه التحديات بما في ذلك الحق في ملكية أراضيهن بسبب الآثار الناجمة عن خصخصة الأراضي والاستيلاء على ملكية الأراضي  وآثار المشروعات الانمائية العملاقة على الموارد الطبيعية ، وأيضا بسبب السياسات الاقتصادية الريعية  مع غياب القطاعات الانتاجية ومنها القطاع الزراعي الذي يعد قطاعا إستراتيجيا لعمالة المرأة .

 

تتضمن خطة التنمية الجديدة المُقرر اعتمادها في شهر أيلول \ سبتمبر 2015 الأهداف التي تعالج حقوق المرأة في السكن والأراضي والممتلكات لا سيما الأهداف 1 و 2 و5 ، معترفة  بذلك بالتحديات التي تواجهها المرأة  ، حيث :

 

تنص الفقرة الرابعة من الهدف الأول على ضمان تمتع جميع الرجال والنساء ولا سيما الفقراء والضعفاء منهم بحقوق متساوية في الموارد الاقتصادية فضلا عن إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية وامتلاك الأراضي وغير ذلك من أشكال  الملكية  والميراث والموارد الطبيعية والخدمات التكنولوجية والمالية الجديدة الملائمة بما في ذلك  التمويل المحدود ، وذلك بحلول عام 2030

 

ويسعى الهدف الثاني في فقرته الثالثة بحلول العام 2030 إلى مضاعفة الانتاجية الزراعية ودخل صغار منتجي الغذاء  لا سيما النساء والسكان الأصليين والأسر المُزارِعة والرعاة وصيادي الأسماك  عن طريق الوصول الآمن والعادل لملكية الأراضي وغيرها من الموارد والمدخلات الانتاجية ، والمعرفة  والخدمات المالية والأسواق وفرص الحصول على القيمة المضافة والعمالة غير الزراعية وذلك بحلول عام 2030

 

كما يُكرس الهدف الثاني في الفقرة الرابعة  ضمان  نظم الانتاج الغذائي المستدامة و تنفيذ الممارسات الزراعية المرنة التي من شأنها زيادة الانتاجية والانتاج  والمساهمة في المحافظة على النظم البيئية التي تُعزز القدرة على التكيّف مع التغيّر المناخي والأحوال الجوية السيئة والجفاف والفيضانات وغيرها من الكوارث ، مما سيساهم تدريجيا في تحسين الأرض ونوعية التربة بحلول عام 2030

 

أما الهدف الخامس في الفقرة  " أ " فيشير إلى اجراء  إصلاحات ترمي إلى منح المرأة حقوقًا مساوية في الموارد الاقتصادية فضلا عن امتلاك الأراضي وغيرها من أشكال الممتلكات والتحكم بها  ،  وإمكانية الحصول  الخدمات المالية والميراث والموارد الطبيعية ، بموجب القانون الوطني .

 

        كذلك سلط  المشاركون الضوء على أهمية الهدف رقم 16 من أهداف التنمية المستدامة الذي يدعو إلى " تشجيع إقامة مجتمعات مسالمة لا يُهمش فيها أحد من اجل تحقيق التنمية المستدامة وإتاحة إمكانية وصول الجميع إلى العدالة وبناء مؤسسات فعالة وشاملة وخاضعة للمساءلة على كل المستويات"، لأن غياب المساواة في وصول الجميع إلى العدالة ومن ثم غياب الانتصاف والتعويضات سيؤدي إلى تفاقم العواقب التي تواجهها المرأة لدى إنتهاك حقوقها في السكن والأراضي والممتلكات . في الواقع ، يحتل الهدف رقم 16 موقعا أساسيا لكونه يركز على التدفقات المالية غير المشروعة والحد من الفساد وضمان الشفافية وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للوصول إلى المعلومات. علاوة على ذلك ، رأى المشاركون أن السلام مقدمة للتنمية في حين يحول الاحتلال والحروب دون تمتع الأفراد بحقوقهم القانونية في السيادة الكاملة إلى أرضهم والتحكم بمواردهم الطبيعية وتطوير سبل العيش المستدامة.

 

        مع ذلك، إن إدراج هذه الأهداف ضمن إطار أهداف التنمية المستدامة لن تكون كافية ما لم يجر التطرق إلى النظام الاقتصادي المجحف والآثار الناجمة عن هذا النظام على حقوق المرأة في السكن والأراضي والممتلكات  ، إلا في حال قدّم  التمويل المخصص لتنفيذ هذه الأهداف حلولا بديلة . بيد أن تمويل اجندة التنمية مع الأسف يمنح التمويل الخاص دورا واسعًا في  عملية التنمية من غير فرض تعهدات مُلزمة تُخضِع الشركات للمساءلة  وفق المعاير الدولية لحقوق الانسان والعمل والبيئة . وتجدر الإشارة إلى غياب الالتزام بحقوق الانسان السابقة واللاحقة وتقييم أثر الاستدامة لكل الاتفاقات التجارية والاستثمارية فضلا عن التغاضي عن معالجة آثار بنود تسوية النزعات بين المستمثر والدولة في تقليص الحيز السياساتي للدول.

 

        بناء على ما تقدم، أكدت المناقشات التي دارت في خلال اجتماع الاستراتيجية أهمية عقد  حوار يشمل الجميع يبدأ على المستوى الوطني بتصميم خطط التنمية الوطنية وتنفيذها ، وهذا يستتبع  إجراء مشاورات مع المجتمعات المحلية (مع الرجال والنساء على حد سواء) لاسيما تلك التي تتوخى مشاركة القطاع الخاص ، وشددت على ضرورة وضع تقييم شامل للآثار الاجتماعية  والاقتصادية المحتملة الناجمة عن حيازة الأراضي مع آثارها الجنسانية . واستجابة لذلك ،  سلط المجتمعون الضوء على التنفيذ الحقيقي للاطار التنظيمي المعتمد حاليا بما في ذلك مبادئ منظمة الزراعة والأغذية التوجيهية الطوعية للإدارة المسؤولة لحيازة الأراضي ومصائد الأسماك والغابات في سياق الأمن الغذائي الوطني  . تؤكد المبادئ التوجيهية أهمية المشاورات المحلية وحماية حقوق الحيازة المحلية (12) والمساواة بين الجنسين بوصفها مبدأ أساسي يدعم المبادئ التوجيهية (3B) . فضلا عن ذلك ، لفت اجتماع الاستراتيجية إلى الجهود الحالية الرامية إلى تبنّي صك ملزم قانونا يُعنى بالشركات وحقوق الانسان مؤكدًا أهميتها في ما يتعلق بضمان إخضاع الشركات عبر الوطنية للمساءلة . كذلك أكد المجتمعون على مراقبة العملية المؤدية إلى المعاهدة لا سيما من قبل الهيئات والجماعات النسائية  حرصا منها على التوصل إلى نتيجة تضمن عدم تهرب الشركات من تحمل مسؤوليتها في حماية حقوق المرأة في السكن والأراضي والممتلكات نظرا لدورها في عمليات صناعة القرارات المتعلقة باستغلال الموارد الطبيعية ، في حين سيُستخدم إطار أهداف التنمية المستدامة لمساءلة الحكومات وتعزيز الديمقراطية التشاركية . ولا بدّ أيضًا من فهم الدور الذي يمارسه القطاع الخاص لا سيما في الشراكات بين القطاعين العام والخاص ، ولا بدّ أن تضمن مشاركة المجتمع المدني عملية المساءلة لدى ارتكاب الانتهاكات ذات الصلة  والمتعلقة بهذه الحقوق أيضًا ، وذلك في إطار مقاربة شاملة تربط الحقوق في السكن والأراضي والممتلكات مع الحق في الغذاء والطاقة والمياه وحق تقرير المصير وغير ذلك.

 

لذا ، في مسار العمل المستقبلي ، يتعين على هيئات المجتمع المدني  في المنطقة العربية رصد مؤتمر الأمم المتحدة للموئل الثالث المقرر انعقاده في كويتو في الاكوادور من 17 إلى 10 أوكتوبر \ تشرين الأول 2016 والمشاركة في هذا المؤتمر الذي سيُعد المؤتمر التنفيذي الأول لجدول أعمال التنمية لما بعد عام 2015  ، وسيتيح الفرصة أمام المطالبة بتنفيذ جدول أعمال تحويلي للنهوض بحقوق  المرأة في السكن والأراضي والممتلكات.

 

سيبادر ممثلون عن شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية إلى تحديد المؤشرات الرئيسة وإبراز التوجهات الاستراتيجية  ورسم خارطة طريق لمعالجة الحقوق في السكن والأراضي والممتلكات في ظل السياق الحالي  في المنطقة العربية الذي تعترضه الكثير من التحديات والعقبات، لا سيما الأطر السياساتية غير الواضحة وغياب الإرادة السياسية . ستظل حقوق المرأة في السكن والأراضي والممتلكات العامل الرئيس الذي يعيق إتاحة الفرصة المتكافئة لوصول المرأة إلى الموارد والتحكم بها بوصفها الوسيلة الانتاجية الرئيسة ، كما لا بدّ من إيلائها المزيد من الاهتمام بوصفها الركيزة الاستراتيجية المركزية لتيسير تمتع المرأة الكامل بحقوق الانسان وتحقيق التنمية المستدامة في المنطقة .

 

فاكس: 636 815 1 961+ | هاتف: 366 319 1 961+
لبنان , بيروت | مزرعة 2070-1105 | ص.ب.: 5792/14 annd@annd.org | www.annd.org